عبد الملك الخركوشي النيسابوري

216

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

إلى باب دار فاستسقيت ، فإذا بجارية قد فتحت باب الدار وبيدها كوز جديد ملآن من الماء المبرد ، فلما أردت أن أتناوله قالت : ويحك صوفي يفطر بالنهار ، فانصرفت ، فقال رويم : لقد استحسنت كلامها ، ونذرت أن لا أفطر أبدا . قال أبو سعد مصنف الكتاب رضى اللّه عنه : وكان من هذه الطبقة من يختار صوم داود عليه السلام ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ، وإنما اختاروا ذلك لأنه أشد الصيام ، فإن النفس لا تتعود منه الإفطار ولا الصيام . وعن بعضهم قال : صمت كذا وكذا سنة لغير اللّه ، وذلك أن شابا كان يصحبنى ، فكنت أصوم حتى ينظر إلىّ ذلك الشاب فيتأدب بي ويصوم لصومى . وعن سهل بن عبد اللّه : إنه كان يأكل في خمسة عشر يوما مرة فإذا دخل شهر رمضان لم يأكل إلا أكلة واحدة . وقيل أنه كان يفطر في كل ليلة على الماء القراح وحده . قال محمد أبو سعد الواعظ : سمعت أبا طلحة المالكي بمصر ، في خلال ما قرأنا عليه من حكايات سهل بن عبد اللّه ، أنه يوم ولد ولد صائما ، ويوم مات مات صائما . فقيل له : كيف ذاك ؟ قال : إنه لم يشرب اللبن في ذلك اليوم الذي ولد فيه إلى المساء ، وأما صومه يوم وفاته ، فإنه كان صائما ذلك اليوم ، فمات قبل أن يفطر . وقال مظفر القرمسينى : الصوم على ثلاثة أوجه ؛ صوم الروح بقصر الأمل ، وصوم العقل بخلاف الهوى ، وصوم النفس باجتناب المطاعم والمناكح . وقال علي بن بكار : أدركت حفص العابد بالمصيصة وكان يأكل في شهر رمضان أكلتين ؛ أكلة ليلة الخامس عشر ، ثم يأكل ليلة الفطر أخرى ، قال : وكان يقوى مع ذلك على إحياء الليل . وعن أبي إسحاق الفزاري قال : كان إبراهيم بن أدهم في شهر رمضان يحصد الزّرع بالنهار ، ويصلّى بالليل ، فمكث ثلاثين يوما لا ينام بالليل ولا بالنهار . وحكى أن شعوانة كانت تصوم في الصيف ، وتفطر في الشتاء ، فقيل لها في ذلك ، فقالت : إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد .